خلق الإبل من الشياطين خرافة
محمد ابن الأزرق الأنجري
تبرئة الرسول من أساطير المحدثين خلق الإبل من الشياطين خرافة
يرى جمهرة علمائنا أن أصل الإبل هو الشياطين ، أي أنها متخلقة منها كما تخلق الإنسان من التراب.
وأقدم من صرح بذلك من الفقهاء المجتهدين ، هو الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم 1/113 حيث قال عن رسول الله المبرأ: فَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قُرْبَ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ، لَا لِنَجَاسَةِ مَوْضِعِهَا. هـ
ولا يكاد ينقضي عجبي من العلامة ابن حزم صاحب العقل الجبار الذي انضم لمصدقي الخرافة في موسوعته المحلى (1/174).
وإذا كنا نتغنى بعظمة كتاب "تأويل مختلف الحديث" لابن قتبية ، فإننا نراه مخطئا جدا في تصديق هذه الخرافة حيث قال في التأويل (ص: 204) : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرَ النَّبِيِّ، يَعْلَمُ أَنَّ الْبَعِيرَ تَلِدُهُ النَّاقَةُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةٌ تَلِدُ جَمَلًا، وَلَا أَنَّ نَاقَةً تَلِدُ شَيْطَانًا. وَإِنَّمَا أَعْلَمَنَا أَنَّهَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ خُلِقَتْ مِنْ جِنْسٍ، خُلِقَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِين. وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعَنَانِ الشَّيَاطِينِ" يُرِيدُ: مِنْ جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا، كَمَا يُقَالُ: بَلَغَ فَلَانٌ أَعَنَانَ السَّمَاءِ، أَيْ نَوَاحِيَهَا وَجَوَانِبَهَا. وَلَوْ كَانَتْ مِنْ نَسْلِهَا، لَقَالَ: فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ نَسْلِهَا، أَوْ بطونها أَو أصلابها، وَأما يُشْبِهُ هَذَا.
وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تَنْسُبُ جِنْسًا مِنَ الْإِبِلِ إِلَى الْحُوشِ، فَتَقُولُ: نَاقَةٌ حُوشِيَّةٌ، وَإِبِلٌ حُوشِيَّةٌ، وَهِيَ أَنْفَرُ الْإِبِلِ وَأَصْعَبُهَا. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لِلْجِنِّ نَعَمًا بِبِلَادِ الْحُوشِ، وَأَنَّهَا ضَرَبَتْ فِي نَعَمِ النَّاسِ، فَنَتَجَتْ هَذِهِ الْحُوشِيَّةَ، قَالَ رُؤْبَةُ: جَرَتْ رَحَانَا مِنْ بِلَادِ الْحُوشِ.
وَقَدْ يَجُوزُ -عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ- أَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ، مِنْ نِتَاجِ نَعَمِ الْجِنِّ، لَا مِنَ الْجِنِّ أَنْفُسِهَا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: "مِنْ أَعْنَانِ الشَّيَاطِينِ". أَيْ: مِنْ نَوَاحِيهَا.
وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَ الْجِنَّ أَنْفُسَهَا وَالشَّيَاطِينَ، وَلَمْ يُؤْمِنْ إِلَّا بِمَا رَأَتْهُ عَيْنُهُ، وَأَدْرَكَتْهُ حَوَاسُّهُ، وَهُوَ مَنْ عَقْد قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ، يُقَالُ لَهُمُ: الدَّهْرِيَّةُ، وَلَيْسَ من عقد الْمُسلمين. هـ
قلت: بل نؤمن بوجود الجن والشياطين وبكل المغيبات التي لا تدركها حواسنا، ثم نؤمن بأن نسبة الإبل للشياطين خرافة انطلت عليكم معشر العلماء لأنكم تنظرون إلى السند غالبا، ولا تعرضون المتن على القرآن إلا نادرا، ولم تكونوا مسلحين بالمعرفة العلمية فأنتم معذورون.
وكل ما جاء في كلام ابن قتيبة رحمه الله خرافات وأساطير، وفيه الدليل على أن ثقافة العرب الجاهلية تنسب الإبل إلى الجن، فلا نستغرب أن يصرّح بذلك أحد الصحابة.
مصدر الخرافة:
روى الحسن البصري رحمه الله عن عبد الله بن المغفل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين . ( مسند الطيالسي 2/230، ومسند ابن الجعد ص462، ومصنف ابن أبي شيبة 1/337 ، ومسند أحمد بن حنبل 27/343 و 27/353 و34/165 و34/181، وسنن ابن ماجه ح769 ، ومسند الروياني 2/98، وصحيح ابن حبان 4/601 و12/473 ، وكامل ابن عدي 6/320 ، والمحلى 1/174).
وهذا الحديث صحيح عند المحدثين والفقهاء ، ويحتجون به على كراهة أو تحريم الصلاة في مبارك الإبل ، وبه استدل الجمهور على أن الإبل مخلوقة من الشياطين، وهي فكرة خرافية منتشرة في كتبنا الفقهية والحديثية على حد سواء.
وأوّله بعضهم بأن المقصود هو أن الشياطين لا تفارق الإبل ، وأن مباركها مأوى لها .
إلا أن لفظ جملة (خلقت من الشياطين) يفسد هذا التأويل لأنه صريح في كونها من جنس الشياطين خلقت ، وهو رأي أكثر العلماء من الفقهاء والمحدثين.
وهناك رواية ضعيفة صريحة في هذا المعنى الخرافي، وبها استدل الإمام الشافعي:
روي من طريقين ضعيفين عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فِيهَا؛ فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ. وَإِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَاخْرُجُوا مِنْهَا فَصَلُّوا؛ فَإِنَّهَا جِنٌّ مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ. أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا» ( الأم 1/113 والمسند للشافعي (ص: 21) ، ومسند أحمد 34/174، والآحاد والمثاني 2/291، ونسبها البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة 2/112 لأبي يعلى الموصلي، والثامن من أجزاء أبي علي بن شاذان (ص: 57) ، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 630) والمعرفة له 3/406، وشرح السنة للبغوي 2/404 ).
وضعفها ابن رجب في فتح الباري ، وحسنها الأرنؤوط ، واضطرب فيها الألباني: ضعفها مرة وصححها أخرى.
ولفظها صريح في أن الإبل من جنس الجن، والجن أصل الشياطين.
رأينا في الحديث:
ينقسم هذا الحديث إلى قسمين:
الجزء الأول: جملة: ( صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ) :
هذا القدر صحيح ثابت عن جماعة من الصحابة غير عبد الله بن المغفل.
ولا مشكلة فيه، والعلة في النهي عن الصلاة في مبارك الإبل هي أنها تكون قريبة من مورد الماء، فتكون وسخة قذرة ، وأرضيتها طينية مؤذية ، فتتجمع فيها الجراثيم والأوساخ .
ثم إن الإبل شديدة النفور ، قوية الحركة سريعة الهياج، فالصلاة فيها تعرض المصلي لأخطار العض أو الركل ... وربما ورد قطيع للشرب فعفس المصلي ووطأه فقتله.
فالنهي راجع إلى وجود الجراثيم والأوساخ من جهة، ولاحتمال التّأذّي البدني من ناحية.
الجزء الثاني: جملة: ( فإنها خلقت من الشياطين ) ، تفسير خرافي أدرجه سيدنا عبد الله بن المغفل في الحديث، وهو فهم ناتج عن بساطة المعرفة بأصول الأنواع الحية عند القدامى عامة والعرب خاصة، ولا يجوز لرسول الله أن ينطق بمثله لمصادمته الحقائق العلمية من جهة ، ولأن التعليل النبوي للأحكام يكون وحيا ربانيا، والوحي لا يمكن أن يأتي بتفسير خرافي يصادم علم الله بمخلوقاته.
كيف تدرج التفسير الخرافي حتى نسب إلى رسول الله ؟
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مرابض الغنم فلم ير في ذلك بأسا ، وسئل عن الصلاة في أعطان الإبل ومباركها فنهى أصحابه دون تعليل أو تفسير ، هذا ما اشتهر عنه:
فروى الإمام مسلم في الصحيح عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا».
وهكذا ورد عن أبي هريرة وذي الغرة وعبد الله بن عمرو وابن عمر وعقبة بن عامر وسليك الغطفاني رضي الله عنهم دون بيان السبب المانع من الصلاة في مبارك الإبل.
ثم إن الصحابي عبد الله بن المغفل ظن أن الإبل مخلوقة من الشياطين تبعا لثقافته العربية الجاهلية المصرّح بها عند ابن قتيبة، فكان يدرج فهمه في الحديث دون نسبته إلى رسول الله:
فروى الحسن البصري عن ابن مغفل بإسناد صحيح قال: كنا نؤمر أن نصلي في مرابض الغنم ولا نصلي في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين. ( رواه أحمد27/343 ، وابن حبان12/473 والبيهقي 2/629 ).
فجملة ( فإنها خلقت من الشياطين ) ، واضح أنها تفسير عبد الله بن مغفل لإقناع السائلين من التابعين ، والصحابي ابن بيئته، والبيئة الثقافية القديمة تستند إلى الخرافات والأساطير الشعبية عند تفسير الظواهر ، فلا حرج ولا عيب إذا صدر منه ذلك.
ثم إن الحسن البصري رحمه الله نسي وضعف ضبطه للخبر، فلم يعد يفرق بين الجزء المرفوع والتفسير الخرافي للصحابي ، فكان يروي الحديث ناسبا زيادة: ( فإنها خلقت من الشياطين ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا حرج في ذلك ولا عيب لأن النسيان أصل في الإنسان.
علامات بطلان الزيادة الخرافية:
العلامة الأولى : مخالفة القرآن وعلم أصول الأحياء:
قال الله تبارك وتعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [ سورة النور: 45].
وقال جل شأنه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].
وثبت في علم الأحياء أن الحيوانات كلها متأصلة من الماء، فتكون كلمة "الماء" في الآيتين محمولة على الماء المعروف بقرينة العلم القاطعة.
والقرآن كتاب الله ، والحيوانات خلق الله ، فلا يتعارض كلامه مع خلقه ، ولا ينقض النبي كلام الله أو حقائق خلقه.
العلامة الثانية : يستحيل أن تكون الإبل متخلّقة من الشياطين ثم يجعلها الله طعاما لنا ونسكا وأضحية، ويمتَنُّ بها علينا في كتابه الكريم ، ويمدحها في سورة الغاشية، فإن في ذلك تشريفا للشياطين وتعظيما لا تستحقه بحال.
العلامة الثالثة : مخالفة السنة العملية المتواترة ، فقد كان رسول الله يصلّي فوق الإبل ، ويصلّي إليها، أي يجعلها بينه وبين القبلة ، وكان يخطب عليها في الحج والعمرة والجهاد ، فكيف ينهى عن الصلاة في مباركها ؟ وكيف تكون متأصلة من الشياطين ؟
العلامة الرابعة : شذوذ حديث ابن مغفل:
روى النهي عن الصلاة في مبارك الإبل جماعة من الصحابة، هم: جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم دون تلك الجملة الخرافية، فهي زيادة شاذة تفرد بها الإمام الحسن البصري عن ابن مغفل، والشذوذ علامة على النسيان أو التخليط ، يزداد تأكدا بالعلامة الآتية.
العلامة الخامسة: اضطراب روايات الحسن البصري:
اضطربت روايات الحديث فدلت على النسيان والوهم والتخليط، إليك البيان:
الرواية الأولى:
روى جماعة من أصحاب الحسن البصري من طريقه عن عبد الله بن المغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين.
الرواية الثانية:
«صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ , وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ , فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيْطَانِ» ( مصنف ابن أبي شيبة (7/277) و14/149 ومسند الروياني 3/470 )
في لفظ: " إِذَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَصَلِّ، وَإِذَا أَدْرَكَتْكَ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَابْتَرِزْ فَإِنَّهَا مِنْ خِلْقَةِ الشَّيْطَانِ - أَوْ قَالَ: مِنْ عِيَانِ الشَّيْطَانِ ". ( مصنف عبد الرزاق الصنعاني (1/ 409)
الرواية الثالثة:
روي من طريقين ضعيفين عَنِ الْحَسَنِ البصري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فِيهَا؛ فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ. وَإِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَاخْرُجُوا مِنْهَا فَصَلُّوا؛ فَإِنَّهَا جِنٌّ مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ. أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا» ( الأم 1/113 والمسند للشافعي (ص: 21) ، ومسند أحمد 34/174، والآحاد والمثاني 2/291، ونسبها البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة 2/112 لأبي يعلى الموصلي، والثامن من أجزاء أبي علي بن شاذان (ص: 57) ، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 630) والمعرفة له 3/406، وشرح السنة للبغوي 2/404 ، وصححها الألباني ، وحسنها الأرنؤوط )
الروية الرابعة:
روى الحسن عن ابن مغفل قال: كنا نؤمر أن نصلي في مرابض الغنم ولا نصلي في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين. ( عند أحمد27/343 ، وابن حبان12/473 والبيهقي 2/629 ، وصححها الأرنؤوط وغيره ).
معاني الروايات:
تفيد الأولى أن الإبل متخلّقة من شياطين كثر، وتصرح الثانية أنها من شيطان واحد، أي إبليس.
وتدل الثالثة على أن الإبل متولّدة من الجن، والجن غير الشياطين.
أما الرابعة فلا تنسب ذلك لرسول الله، بل تجعله تفسيرا من الصحابي.
وهذا اختلاف شديد يؤكد أن الجملة الخرافية تفسير من الصحابي ، والظاهر أنه أخذه من الأساطير الشعبية أو المكذوبات الإسرائيلية، ثم إن الحسن البصري ظن التفسير الخرافي مرفوعا إلى رسول الله، فصار ينسبه إليه.
شاهد ضعيف لا يصلح:
قال أبو معاوية محمد بن خازم: ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ عبد اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرازي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: " لَا تُصَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ " وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: " صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ " ». ( مسند أحمد 30/509 – 631 ، وسنن أبي داود ح 184 و ح493 ، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 629) وتمهيد ابن عبد البر 22/333 ، وموضح الخطيب البغدادي 2/192 ، وصححه الألباني والأرنؤوط ).
وهذا ضعيف لا يثبت عن البراء لهذه العلل:
العلة الأولى: شذوذ أبي معاوية واضطرابه:
اضطرب أبو معاوية وشذّ عن غيره من الأئمة فزاد في حديث البراء تلك الجملة الخرافية التي تسربت إليه من حديث الحسن البصري ، فقد رواه الأئمة : شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وحفص بن غياث وأبو معاوية وعبد الله بن إدريس ومُحَاضِرٌ الْهَمْدَانِيُّ عن الْأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَأُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا» ، قَالَ: فَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: أَأُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: فَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِهَا؟ قَالَ: «لَا». ( حديث مجاعة ص 72 ، ومصنف عبد الرزاق 1/407 ومسند الطيالسي 2/100، ومصنف ابن أبي شيبة 1/337 و7/277 ، وعلل الترمذي الكبير ص46 ، المنتقى لابن الجارود (ص: 19) ، وصحيح ابن خزيمة 1/21، وصحيح ابن حبان 3/410 ومسند الروياني (1/ 279) ، وشرح معاني الآثار 1/384 ، ومسند ابن الأعرابي 1/384 ، والسنن الكبرى للبيهقي (1/ 246).
وأبو معاوية إمام ثقة متكلم في حفظه ، وكان يضطرب في غير روايته عن الأعمش ، ولا ينفعه توثيقه عن الأعمش إذا خالف مثل شعبة وسفيان أو حصل له الاضطراب.
وما دام اضطرب فرواه بتلك الخرافة وبدونها ، ولما تفرد بها دون غيره من أصحاب الأعمش، فزيادة : ( فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ ) شاذة ضعيفة.
ثم إن الضمير في جملة : " لَا تُصَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ " حسب السياق، وتطبيقا لقاعدة عود الضمير على أقرب مذكور، صريح في أن المعنى هو : مرابض الإبل من الشياطين فلا تصلوا فيها.
وهو معنى مخالف لمعنى روايات حديث الحسن البصري عن ابن مغفل، فلا يشهد له بل يوهنه.
ثم إنه فاسد إلا أن يؤول بمعنى أنها مأوى الشياطين لشدة الوسخ والقذر الذي يكون في مبارك الإبل حول الماء مقارنة بمرابض الغنم، وبالتالي تكون الجراثيم هي المقصودة بالشياطين، والنبي عليه السلام سمى أنواعا من الأفاعي والكلاب شياطين، فلا يبعد أن يسمي الجراثيم التي لم تكن مسماة بعد شياطين.
وقد رفض كثير من العلماء الاعتقاد بأن الإبل متخلقة من شياطين الجن، وفسروا خرافة الحسن عن ابن مغفل بأن مرابض الإبل مأوى شياطين الجن لقذارتها، لكن لفظ الخرافة يجعل تأويلهم متكلفا.
العلة الثانية : تدليس الأعمش فإنه روى بالعنعنة، فتحمل على الانقطاع لأن عبد الله ليس من شيوخه الذين أكثر عنهم.
الثالثة : الاختلاف على عبد الرحمن بن أبي ليلى:
اضطرب عبد الرحمن في السند والمتن على أوجه متعددة تدل على تخليطه بين حديث البراء وحديث ابن مغفل:
الوجه الأول : يرويه الأعمش عن عبد الله عن عبد الرحمن عن سيدنا البراء. وهو المتقدم
الوجه الثاني: يرويه عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ الضَّبِّيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ ذِي الْغُرَّةِ دون تلك الزيادة الخرافية. ( مسند أحمد ط الرسالة (27/ 185) و (34/ 557) ، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 2/1033 ، وأسد الغابة 2/219 ).
وله متابع لعبد الله عن ابن أبي ليلى عن ذي الغرة يعيش المزني عند الطبراني في المعجم الكبير (22/ 276) ومعرفة الصحابة لابن منده ص 575 ، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 2/1033 و 5/2820، فبرئت عهدة عبيدة الضبي .
الوجه الثالث:
الْحَجَّاجُ بن أرطأة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، دون الخرافة. ( مسند أحمد ط الرسالة (31/ 443) ، وسنن ابن ماجه ح 496 ، ومسند الحارث = بغية الباحث (1/ 230) ، وشرح معاني الآثار (1/ 383) ، والمعجم الكبير للطبراني (1/ 206) ، والمعجم الأوسط (7/ 247) ، وعلل ابن أبي حاتم 1/456 ).
الوجه الرابع:
عَنْ جَابِرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ ، بدون تلك الخرافة. ( المعجم الكبير للطبراني (7/ 164) )
وجابر مختلف فيه.
فالظاهر أن الاختلاف والاضطراب في السند والمتن من ابن أبي ليلى، فلا يصلح حديث البراء بن عازب رضي الله عنه شاهدا لحديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه بخصوص الزيادة الخرافية لأن ضبطه للحديث مشكوك فيه.
اضطراب الشيخ الألباني في الحكم على الخرافة:
ذهب الشيخ إلى تصحيحها في كثير من كتبه، لكنه حكم عليها بالضعف في كتاب ( ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: 23) ، فقال في الهامش منتقدا الأرنؤوط: وأما قول المعلق على "الإحسان" (4/ 602 - المؤسسة): "وله شواهد ذكرتها عقب تخريج الحديث المتقدم برقم (1384) " - يشير إلى حديث أبي هريرة الآتي في "الصحيح" -! ولم يذكر هناك أي شاهد لجملة: "خلقت من الشياطين" -؛ فلا تغترَّ بدعواه؛ فتصحَّحَ الحديث كما فعل في طبعته لهذا الكتاب "الموارد" (1/ 164 - 165)، ونحا نحو الداراني (2/ 30 - 32)، ولكنه لم يصرح! وبهذه المناسبة؛ أذكّر بأنه كان فاتنا حذف هذه الجملة من "صحيح الجامع" والإشارة إليها بالنقط " .... " كما جرينا عليه في أمثالِها. هـ
لذلك جاء في تراجعات العلامة الألباني في التصحيح والتضعيف (1/32) : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل [فإنها خلقت من الشياطين]. صحيح الجامع (3788 و 1439) ط: 3، ابن ماجة (768 و769)، الثمر المستطاب (1/387-388)، الضعيفة (5/238). ثم ضعف الجملة التي بين معقوفين في ضعيف موارد الظمآن (25- 335).
ابن حبان يتعسف ويتكلف تأويل الخرافة:
جاء في صحيح ابن حبان (4/603) : لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل صلى الله عليه و سلم على البعير، إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه ، بل معنى قوله صلى الله عليه و سلم : ( إنها خلقت من الشياطين ) أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب .
خاتمة المقال:
إن رسول الله مبرأ من قوله عن الإبل: ( فإنها خلقت من الشياطين ) ، وهي فكرة خرافية فسّر بها الصحابي ابن المغفل النهي النبوي عن الصلاة في مبارك الإبل.
وأصل الخرافة هو الأساطير الجاهلية التي لم يكن في إمكان الصحابة أن يدركوا بطلانها.
وإذا كنا نعذِر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء والمحدثين ، فإننا لا نعذر علماء العصر الذين يصرّون على تصحيح الخرافة وتبنّي مضمونها الأسطوري نظرا لسهولة الوصول إلى الحقائق العلمية المؤيدة بنص القرآن المحكم الحكيم.
*خريج دار الحديث الحسنية
Med.azraq.41@gmail.com
خلق الإبل من الشياطين خرافة
Reviewed by Unknown
on
2:32:00 م
Rating:
Reviewed by Unknown
on
2:32:00 م
Rating:

ليست هناك تعليقات: