Top Ad unit 728 × 90

النقــد وثقافة التصيُّد عند العرب



إدريس الواغيش

من دون شك أن النقد والنقد البناء على الخصوص، كان دومًا وعلى مَرِّ العُصور مُرتبطا بالإصلاح والتقدُّم، وقد لعب النقاد أدوارًا جليلة وخطيرة في نفس الآن، ليس في الأدب والعلوم الإنسانية وحدها كما هو الحَال عند العرب، لغياب منظور ثقافي مرتبط بالصناعة وآلياتها، ولكن في جميع المجالات.

كيف ننظر نحن كعرب إلى النقد؟ وكيف نتعامل معه؟ وبأي عقلية؟. إذا كنا غالبًا ما نستعمله إما للمَدح أو للقدح، فالغربيون عمومًا وارتباطا بثقافتهم التي جدَّدت جلدها، لا ينتقدون إلا ليوجهوا ملاحظة صائبة أو ليُلفتوا النظر إلى نقائص، يكون تصحيحُها مفيدًا وضروريًّا.

لماذا كان السلف الصالح (وهنا تحديدًا، لست أدري لماذا ترتبط هذه المفردة ”الصالح” بالسلف فقط، مع العلم أن الصَّالح والطالح كان في السَّلف كما يوجد أيضًا في الخلف، وإن بنسب متفاوتة) يتعامل مع النقد بحداثة سابقة لأوانها وبإيجابية أوصلتهم لأن يتسيّدوا العالم في المجال الصناعي والعلمي والفكري، فإن الخلف بكل أسف يتعامل مع النقد بعقلية تبعده عن زمانه. نُغيّب المَوضوعيّة في أحكامنا، ونستحضر الخلفيات بشَكل مكشوف وحتى بَليد أحيانًا. لا نعرف الهدوء والسكينة في خطاباتنا، وتحكمنا أساليب الصياح والهرج أثناء المناقشة، قبلها وبعدها. لم لا نكون هادئين كالفرنسيين مثلا أو جادِّين كالألمان، ليُصبح نقدُنا جَادًّا وهادئا وموضوعيًّا وذا قيمة. وهذا ما يفرض علينا أن نتساءل هنا مع قليل من الصبر:

- لماذا نكون مُتربِّصين دائما بالآخر وهو يتكلم، يعمل أو يكتب لنتصيَّد أخطاءَه؟.

- لماذا ” نعشق” أن نرى الآخر خاطئا مع سبق الإصرار والترصد؟

- هل لأننا مهزومون من الداخل والخارج، ونريد أن يكون غيرنا كذلك؟.

- هل ثقافة الانهزام والخطيئة مرتبطة إلى حد الجنون عندنا بثقافة التصيُّد؟

- لماذا نكون مُتسرِّعين في أحكامنا بالحق و بالباطل؟

عَيْبُنا نحن العرب أننا لا نقبل النقد في شتى صوره، خصوصًا إذا كان موضوعيًّا ولا يتماشى مع أهوائنا. ربما لأن بنيتنا العقليّة والفكريّة معا (للأسف) عنيدَة ومُشاكسَة لأسباب يستعصي جمعها حتى في مجلد!!. هذا السلوك لا علاقة له بظرفية معينة أو استثنائية، ولكنها طبيعة بنية العقل العربي في عموميته، قد يكون خُتِم منذ زمن طويل، وفي غفلة منا، بغشاوة وطلاء علاه الصدأ ولا فكاك لنا منه، إلا بتغيير نمط سلوكنا وتفكيرنا وتجديد ثقافتنا، كي تتماشى مع عصر العلوم الحديثة وثقافة الانفتاح الجديدة، والانتقال من عصر النقل- الذي لازال يسكننا- إلى عصر العقل بكل مستلزماته وتعقيداته، الذي ما زال العرب مُتردِّدون إلى اليوم في الدخول إليه، والدليل على ذلك،هذه الفترات المتقطعة من الانحطاط والنهضة!.

العرب في بداية المَدّ الإسلامي والعصر العباسي وبعض من ”الزمن” الأموي والعباسي وحضارة الأندلس لم يكن ليعرفوا تلك النهضة العلمية لولا استخدام العقل وقبولهم بالنقد. أمَّا حاليًا لو وجهت نقداً لأحد، فأنت حتمًا ضده أو هكذا يبدو له!. وقد تنتج عنه خصومات خفية أو معلنة، وربما تتسع الدائرة أكثر فأكثر لتشمل العائلة والأحباب والأصحاب والأصهار والمعارف، وينقسم الأصدقاء بين مؤيد ومعارض؟!. لذلك يلجأ الناس في الغالب إلى الدبلوماسية، وهم يُبدون آرائهم أو يجاملون في تصريحاتهم في الغالب. هل أصبحنا إلى هذا الحدّ أمَّة المُجاملات ؟. للأسف الشديد، نعم وهذا هو حالنا اليوم، أحببنا أم كرهنا !. ولكمُ الدليل: لو كنت صريحًا في آرائك، فبالضرورة ستفقد الكثير من الأصدقاء والمعارف والأحباب أيضا، لذلك يَضطرُّ الأغلبية إلى شكر جميع الأذواق، ومدح جميع الأعمال وقبول كل السلوكيات وإن على مضض في الظاهر، وبكل أنواع النقد الجارح إن لم تكن شتائم في الباطن!.

أتذكر أنني حضرت ذات أمسية ثقافية لتوقيع كتاب لأديب معروف في البلد وأيضا أستاذ جامعي في إحدى الجامعات المغربية، كانت فيها كل المداخلات من الرئيس إلى المُقرِّر وصولا إلى آخر طالب من طلبته في الجامعة تشكر الكتاب والكاتب وتكيل له المدح والمديح والثناء، مع العلم أنه يتضمن مواقف كثيرة تحتاج إلى تحكيم نزيه وحقيقي، وأيضًا التنبيه إلى تصحيح اعوجاج فكري واضح وثغرات بيِّنة حتى بالنسبة للمبتدئين، وبالتالي ستصبح التعليقات معها مغايرة تمامًا، لكن لاشيء من كل ذلك حصل!!. الغريبُ في الأمر أن الكثيرين فيما بعد، أبدوا مواقف مغايرة تمامًا خارج القاعة، وعبروا بعد ذلك في مناسبات أخرى عن آراء مخالفة عمّا سمعناه منهم داخل القاعة!. متدخل واحدٌ ووحيدٌ حلق خارج السِّرب، فاتهم بإفساد الحفل الثقافي الكبير، وتجرَّأ على المَعلمة الثقافية الرَّائدة والمنارة المنيرة، وتعرض لِلوْم اتسع له صدرُه ولم تتسع له القاعة الفسيحة!. والمؤسف حقا هو أن موروثنا الشعبي والديني والثقافي مَليءٌ بالعِبَر والحِكم التي لا نتعظ بها، ولكن نجعل منها خطوطا نستأنس بها في ذاكرتنا الجمعية وحقلا تجريبيا لرسم لوَحات نزيِّن بها جدران الصالونات في منازلنا ومكاتبنا. والمؤسف أكثر، هو أن الكثيرين قالوا رأيهم بصراحة، قديما وحديثا في تاريخنا العربي، فقطعت رؤوسهم وأخرست ألسنتهم، أو أدخلوا أبواب زنازين لم يخرج منها البعض إلى الأبد، وخرج آخرون معتوهين أو معوَّقين، وعزل آخرون من مناصبهم أو قدَّموا استقالتهم تحت تأثير الضغط المُمَنهج.

رحم الله عمر بن الخطاب حين قال يومًا للمؤمنين: “اجلسوا و استمِعُوا ...!” في مَجلس من مَجالسِه. فقال له سلمان الفارسي: ” لا جلوس و لا استماع !!“. فقال عُمَر لسَلمان : ” و لماذا..؟”، فقال: ” فرَّقت علينا الثوب بالتساوي و أنت طويل و عريض، فمن أين جئت بالثوب لتكمل كسوتك؟”. فقال عمر لابنه عبد الله : ” أجب عَمَّك” . فقال عبد الله بن عمر(ض) عليهما: “تنازلت له عن ثوبي ليُكمل كسوته!”

إذاك قال سلمان: ” الآن نجلس ونستمع”.

أعتقد جازمًا أنه بعد سرد هذه الواقعة التاريخية، لم يعد خافيًا على أحد، لماذا وصل العرب والمسلمون عموما إلى أقاصي السند والهند، ولماذا كانت خزينة الدولة الإسلامية مملوءة على الدوام، حتى أن عمر بن عبد العزيز كان(كما يُروى ولو من باب المُبالغة) يبحث عن الفقراء ليوزع عليهم الزكاة، فلا يجد أحدا، ولماذا الآن شريحة واسعة من العرب والمسلمين تعيش تحت عتبة الفقر. فمتى تتسع صدورنا للنقد مثلما تتسع لكل هذا الحقد؟!.
النقــد وثقافة التصيُّد عند العرب Reviewed by Unknown on 10:51:00 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

All Rights Reserved by Agadir-24.com © 2014 - 2015
Designed by JOJOThemes

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.