Top Ad unit 728 × 90

بن حمزة: هذه المتغيرات التي يؤسس لها قرار مجلس الأمن 2285

عادل بنحمزة
تعددت القراءات لقرار مجلس الأمن 2285 المتعلق بالصحراء المغربية، فإذا كان قد تضمن مكاسب للمغرب؛ وبصفة خاصة في الجوانب المتعلقة بالإشارة إلى مقترحه للحكم الذاتي، وعدم توسيع اختصاصات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وعدم إثارة موضوع تدبير ثروات المنطقة، ومدى استفادة الساكنة المحلية منها، كما جاء صريحا في تقرير بان كي مون لمجلس الأمن، فإنه -أي القرار- جاء بمتغيرات كبيرة، وقد تكون بالغة الخطورة بالنسبة لمستقبل النزاع المفتعل في الأقاليم الجنوبية.
إن أحد أهم المتغيرات التي ارتبطت بالقرار تتجلى في لجوء مجلس الأمن إلى التصويت، وذلك بعد أيام وساعات طويلة من المفاوضات بين الخبراء والدول المشكلة لمجموعة "أصدقاء الصحراء". فهذا التصويت ستكون له بلا شك تبعات في شكل تعاطي مجلس الأمن مستقبلا مع النزاع في الصحراء، فهو من جهة عكس انقساما شديدا بين أعضاء مجلس الأمن في رؤيتهم للوضعية الحالية ولرؤية الحل النهائي، ومن جهة أخرى يكشف هذا الانقسام أنه لا يستثني الدول الدائمة العضوية، بل إن هذه الدول، باستثناء فرنسا، يبدو أنها تسير بصورة تدريجية في اتجاه بلورة رؤية لا تتوافق كليا مع مصلحة المغرب.

فالولايات المتحدة الأمريكية أثبتت بشكل ملموس -للسنة الثانية على التوالي- أنها لا تتقاسم مع المغرب وجهة النظر نفسها، بل على العكس من ذلك، وبغض النظر عن التصريحات الدبلوماسية للسفير الأمريكي في الرباط، أو لمسؤولين أمريكيين سابقين لم يعد لهم تأثير يذكر في صناعة القرار الأمريكي، فإن التوجه الغالب على الإدارة الأمريكية هو بحث سبل تمديد أجل النزاع في الصحراء، والحفاظ عليه كحصى في حذاء المغرب والجزائر، إلى تاريخ يكون فيه تقدير الإدارة الأمريكية هو الحسم في النزاع، وفق رؤية إستراتيجية أمريكية مجسدة في دراسة لمعهد متخصص تابع للبنتاغون، تسعى إلى عدم السماح للمغرب مستقبلا بالسيطرة على إنتاج الفوسفاط في العالم، مما يستوجب عزل موقع بوكراع عن باقي الاحتياطات الموجودة وسط المغرب، ويبقى شكل هذا العزل مما لا يمكن توقعه من إدارة أمريكية لم تبن يوما اختياراتها الإستراتيجية على المبادئ.

الأمر نفسه ينطبق على باقي الدول الأعضاء، ويبقى الاستثناء الوحيد هو فرنسا، لكنه قد لا يكون فعالا في المستقبل، مادام قد تم كسر منطق الإجماع في مجلس الأمن. فهذا المنطق، ولو أنه كان يضر في بعض جوانبه بموقف ورؤية المغرب، فإنه كان يمنع اتخاذ قرارات ضد مصلحته، أو ينتصر للطرف الآخر بصورة صريحة وسافرة، وهذا الأمر كان مهما بالنسبة للمغرب، لأنه الطرف الموجود على الأرض. فمنطق اللاحرب واللاسلم، والقرارات التوافقية، يكسب منه دائما من يوجد على الأرض.

الآن، ما هي الاحتمالات الممكنة بعد أن دخلنا مرحلة جديدة في آليات عمل مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها اعتماد التصويت؟ الواقعية تقتضي وضع أسوأ الاحتمالات، وأسوأ احتمال هو أن يتجه مجلس الأمن في المستقبل إلى اتخاذ قرار ضد المغرب، وأن يحصل هذا القرار على الأغلبية في مجلس الأمن. السؤال هو كيف يمكن للمغرب مواجهة سيناريو مرعب كهذا؟ وهل يمكن لفرنسا، دون استعمال حق النقض، أن تمنع حصول هذا السيناريو؟ بل إن استعمال فرنسا لحق النقض في موضوع يهم المغرب قد يكون مفيدا مرحليا، لكنه على المدى البعيد سيقدم صورة سلبية للعالم عن المغرب، وسيقدم دفعة قوية لأطروحة الانفصاليين، بشكل قد لا تستطيع فرنسا نفسها تحمله...

هل على المغرب أن يقوم بتراجع تاكتيكي بالنظر إلى التحولات البنيوية التي يعرفها تعاطي مجلس الأمن مع النزاع؟ وأن يبادر مثلا -في موضوع المكون المدني- إلى القبول بعودة جزئية لبعض أفراده، وخاصة المكتب السياسي الذي ينسق مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، مادام أن قراره في الأصل كان هو تقليص المكون المدني، مع حقه دائما في الاعتراض على كل موظف أممي تربطه علاقة بالاتحاد الإفريقي، أو كل من ثبت تخليه عن حياده وعن المبادئ المؤطرة لعمل البعثة الدولية، وبصفة الخاصة الاتصال بمن يمثلون وجهة نظر جبهة البوليساريو..، وأن يبادر المغرب إلى هذه التدابير والإجراءات قبل انصرام أجل ثلاثة أشهر المنصوص عليه في القرار، وبالتالي حرمان بان كي مون من تقديم تقرير تحريضي آخر على المغرب.

أم على المغرب بعد مهلة ثلاثة أشهر التي منحها مجلس الأمن لعودة بعثة المينورسو للعمل بكل مكوناتها أن يرفض عودة المكون المدني بكل أفراده، ويضع نفسه مجددا على مشرح مجلس الأمن، بشكل سيقوي خصومه ويعطي لهم مبررات أقوى لاتخاذ قرارات وتدابير تعكس وجود المغرب في تمرد على قرارات الشرعية الدولية، وهو ما لا أتوقع أن فرنسا قد تنجح مرة أخرى في التقليل من نتائجه. كما أن إسبانيا مقبلة على انتخابات تشريعية جديدة، تؤكد كل استطلاعات الرأي أنها ستفرز الخريطة السياسية نفسها، مع تقدم طفيف للحزب الشعبي، لكن بدون تأثير، علما أنه قبل أسابيع فقط كان البرلمان الإسباني، باستثناء نواب الحزب الشعبي، وقعوا على إعلان يطالبون فيه حكومة راخوي بدعم تنظيم الاستفتاء في الصحراء.. مثل هذا الإعلان قد يتكرر مستقبلا، لكن بدون ضمانات وجود الحزب الشعبي في رئاسة الحكومة الإسبانية؛ فلا يمكن توقع موقف إسبانيا مستقبلا.

المسؤولية تقتضي قدرا عاليا من الوضوح مع المغاربة، فإذا كان صحيحا أن صيغة القرار المتعلق بأجل عودة المكون المدني جاءت موجهة للأمين العام، إلا أن الواقع الذي يعرفه العالم هو أن هذه المهلة موجهة للمغرب بطريقة لبقة، نتيجة العمل الكبير الذي قامت به فرنسا في تلطيف الصياغة، ولهذا على المغرب أن يتعامل مع الواقع كما هو، فالمرحلة تستدعي كثيرا من الواقعية والوضوح.

هناك كثير من الحماس في هذا الموضوع، وهناك كثير من التعاطي الإعلامي الحماسي مع موضوع معقد، ويزداد تعقيدا كل يوم، في ظروف دولية وإقليمية ووطنية شديدة الخطورة. فلا المغرب قادر على مواجهة الأمم المتحدة، ولا هو قادر على مواجهة الولايات المتحدة، ولا هو يملك حلفاء دائمين موثوق في ثباتهم على الموقف بجانبه، كما أن الحسابات الإستراتيجية لا تسعفه في قلب الطاولة على الجميع، لهذا فإن المغرب مجبر على الالتفات إلى الداخل، وإلى الصحراويين الوحدويين، وإلى ممارسات واقعية على الأرض، تعكس الكم الهائل من الخطابات النظرية حول النزاع.. وقبل كل ذلك وبعده فهو مجبر على بناء مؤسسات ديمقراطية تعكس رأي واختيارات المواطنين، مؤسسات ذات مصداقية يعترف بها العالم، وليس مؤسسات على المقاس يتم صناعتها في الغرف المغلقة، في الوقت الذي يعرف العالم سكناتنا وزفراتنا...

على بلادنا أن تنهي مرحلة الخطابات الحماسية التي تصلح للتعبئة الوطنية الداخلية، لكنها تبقى بلا تأثير في الخارج، حيث المصالح لا المبادئ، والمناورات لا الحق، وعمل الكواليس لا الفرقعات الإعلامية. والأهم من كل ذلك هو القدرة على قول الحقيقة كاملة في مراكز صنع القرار، بدل دفع البلاد إلى مواجهات بلا حد أدنى من الضمانات.

بن حمزة: هذه المتغيرات التي يؤسس لها قرار مجلس الأمن 2285 Reviewed by Unknown on 3:09:00 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

All Rights Reserved by Agadir-24.com © 2014 - 2015
Designed by JOJOThemes

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.